حيدر حب الله
482
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
منّي أن أعرف الحقّ أم المطلوب منّي أن أعمل ما هو الصواب ، سواء كنت أعرف الحقّ أم لم أكن أعرفه ؟ هنا في تقديري أحد مفاتيح الحلّ ، فالعقل أحياناً يرهق الإنسان بمعرفة الحقيقة ، والنزوع الروحي والنفسي للبشر يدفعهم دوماً للركض خلف اكتشافها ، لكنّ اكتشاف الحقيقة ليس هو كلّ شيء ، فهناك شيء آخر يرتبط أيضاً بموضوع راحة الضمير وطمأنينة الروح ، وهو : ما الذي يجب عليّ أن أفعله ؟ وهذا غير : ما هو الواقع الحقيقي المحيط بي ؟ لأنّ سؤال : ( ماذا أفعل ؟ ) يمكن أن أوجّهه لنفسي وأنا عالمٌ بالحقيقة ، كما يمكن أن أوجّهه لنفسي وأنا حائر ، إنّ ( ماذا أفعل ) هو سؤال الضمير ، إنّنا نتصوّر أحياناً أنّ الجواب عن ( ماذا أفعل ) مربوط دوماً بالحقيقة الخارجية المحيطة بي ، لكنّ الصحيح أنّ عقولنا العمليّة يمكن أن تدلّنا على ( ماذا أفعل ) حتى لو لم أكن أعلم ، فليس من ترابط بين ( ماذا أفعل ) و ( ماذا أعلم ) بهذا المعنى . أنا أعيش في عصر فتنة أمواجها متلاطمة ولا حدود لها ، تضرب في السياسة والأمن والأخلاق والعلم والمعرفة والثقافة والدين والسلوك وغير ذلك ، وقد بذلت جهوداً لكي تتضح الصورة المحيطة بي ، ولكنّني - حسب سؤالك - فشلتُ وما أزال متحيّراً ، فبدل أن أظلّ أبحث دون جدوى ، عليّ فوراً أن أوجّه لنفسي السؤال التالي : ماذا ينبغي لي أن أفعل حال كوني ( لا أعلم / حيراناً ) ؟ بهذه الطريقة أخرج من قلق المعرفة إلى سؤال العمل ، أخرج من العلم إلى العمل ، ومن الحيرة الفكرية إلى الرؤية الفعليّة ، ومن التفكير الزائد إلى العمل الرائد ، بهذه الطريقة قد أتخلّص من الدوّامة التي أعيش . لكن ماذا أفعل وسط كلّ هذا الجدل اللامتناهي الذي حيّر الكبار قبل الصغار ، ولم ينجُ منه في كثير من الأحيان سوى الجهلة ، لأنّهم لا يعرفون ألم